أفكار وآراء

التضخم والدعم الحكومي للأسعار

16 ديسمبر 2017
16 ديسمبر 2017

د. محمد رياض حمزة -

mrhamza1010@gmail .com -

في جرافيك بياني نشره صندوق النقد الدولي سنة 2013. صنف السلطنة في نسب تصاعد التضخم ضمن الدول الأقل تضخما بنسب سنوية تتراوح بين (الصفر إلى 2%). في موقعه على شبكة الإنترنت.

يعتبر التضخم أحد أهم المؤشرات الاقتصادية، والتي تسـعى الـدول لتخفـــيض معـــدلاتها بصـــورة مناســـبة لتحقيـــق الاســـتقرار المـــالي والاقتصادي. وفي هذا السياق يصدر المركز تقريرًا شهريًا لمتابعة التضخم وقياس الارتفاع المستمر في المسـتوى العـام للأســعار. غير أن تدني التضخم قرب الصفر يعتبر ، أيضا ، مؤشرا على ركود الاقتصاد الكلي، إذ عانت معظم الدول الرأسمالية الصناعية من تراجع نسب التضخم منذ الأزمة المالية 2008. ولايزال عدد منها يسجل تضخما متدنيا جدا كما هو الحال في اليابان ودوا الاتحاد الأوروبي.

ترجع أهمية مشكلة ارتفاع الأسعار المصاحبة للركود الاقتصادي إلى أنها ظاهرة تعاني منها معظم النظم الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية ، ويدعم تقرير التضخم الذي يصدره المركز الوطني للإحصاء والمعلومات الجهات المختلفة في اتخاذ إجراءات الحد من التضخم سواء على مستوى السياسات المالية أو السياسات النقدية.

وتهتم جهات حكومية عديدة بهذا التقرير مثل وزارة المالية والبنك المركزي، فضلا عن الجهات الدولية والأكاديمية والبحثية والقطاع الخاص.

ويستعرض تقرير المركز الشهري أبرز معدلات التضخم، وحركة الأسعار في محافظات السلطنة، ويركز بالمتابعة على مجموعة سلعية مختارة في قسم خاص باسم «مجموعة سلعية تحت المجهر»، ويستعرض التقرير البيانات بأسلوب حديث يمزج بين الجداول الإحصائية والرسوم البيانية فضلا عن استخدام نظم المعلومات الجغرافية.

وبمتابعة تقارير المركز فإن نسب التضخم الشهري للأسعار خلال (2010 ــــ 2017) لم تتجاوز 2%.

وفي مطلع عام 2014 صدرت توجيهات سامية بتوحيد جدول الدرجات والرواتب لموظفي القطاع المدني للمواطنين العمانيين بوحداته وهيئاته ومؤسساته والعمل به ابتداءً من الأول من يناير2014 م، جدير بالذكر أن ذلك سيؤدي إلى زيادة في مخصصات بند الرواتب بموازنة الدولة لتصل النسبة (39%). وبالرغم من تلك الزيادة التي شملت الشريحة الأكثر إنفاقا بين المستهلكين في إلا أن نسب التضخم لم تتصاعد وبقيت دون 2%. وذلك مؤشر على استقرار تكاليف الإنفاق الفردي أو الأسري للعمانيين. وظل التضخم في السلطنة عند مستوى متدنٍ خلال عام 2016م بما يعادل 1.85% ولم يتجاوز 2% خلال عام 2017م. وبقيت الأسعار الاستهلاكية والإنتاجية منخفضة خلال عام 2017.

ومع بقاء التضخم منخفضا فلم تتخلَ الحكومة عن دعم الأسعار؛ ففي موازنة 2016 سجل الإنفاق على الدعم 400 مليون ريال عماني. رغم تواصل تراجع الموارد المالية عن النفط المصدر.

وبلغت المصروفات الجارية للوزارات والوحدات الحكومية في موازنة 2017 بنحو 4.4 مليار ريال عُماني بتخفيض تبلغ نسبته 5% عن تقديرات موازنة 2016م منها مخصصات رواتب ومستحقات الموظفين بمبلغ 3.3 مليار ريال عُماني متضمنة العلاوة الدورية، والمصروفات التشغيلية مبلغ 0.6 مليار ريال عُماني. علماً بأن بند رواتب ومستحقات الموظفين يمثل نسبة 75% من إجمالي المصروفات الجارية.

وتقدم معظم حكومات الدول النامية في العالم الدعم المالي للأسعار ولمختلف السلع والخدمات.وتلجأ الحكومات لدعم الأسعار مضطرة، كخيار لابد منه، عندما تدرك أن هناك فجوة في القوة الشرائية بين متوسط الدخل لمعظم طبقات المجتمع، وهم الأقل دخلاً، وبين المستوى العام للأسعار. بمعنى: أن التضخم تسبب في تآكل القوة الشرائية لمعظم المستهلكين بما قد يؤثر سلباً على الاستقرار الاجتماعي.

ومعروف، على مستوى العالم، أن صندوق النقد الدولي يوصي الدول كافة بعدم اللجوء إلى دعم الأسعار، وإيجاد السبل البديلة لتنشيط الاقتصاد ورفع مستوى الدخل الفردي، حفاظا على المال العام وتوجيهه نحو الاستثمار في المشروعات ذات الإنتاج المادي الحقيقي. وطالما تدخل صندوق النقد الدولي في شؤون الدول التي تدين له بمبالغ مستحقة وتعجز عن الإيفاء بها، فيقترح على حكوماتها إنهاء دعم الأسعار لخفض الإنفاق العام وتوفير مبالغ القروض المستحقة والإيفاء بها مع فوائدها.

في موازنة التقديرية للسنة المالية 2013( أي قبل تراجع أسعار النفط ) وفي جداول المصروفات فإن الدعم المخصص لأسعار كل من فوائد القروض التنموية والإسكانية 35 مليون ريال)، و(مبلغ دعم السلع الغذائية الأساسية 25 مليون ريال)، و(مبلغ دعم قطاع الكهرباء 260 مليون ريال)، و(مبلغ دعم المنتجات النفطية 740 مليون ريال)، ويكون مجموع المبالغ لدعم هذه الفقرات (1050 مليون ريال). والملاحظ أن دعم أسعار تلك الفقرات استفاد منه المواطنون ذوي الدخل الأقل، غير أن هناك مستفيدا من الدعم من أفراد ومنشآت وشركات قادرة على التعامل مع الأسعار الحقيقية للسلع والخدمات، كما الحال في خدمات الكهرباء وشراء المنتجات النفطية.

أما دعم المنتجات النفطية والطاقة الكهربائية فبقدر ضرورة دعم أسعارها للمستهلكين من ذوي الدخل المحدود، فإن الدعم الحكومي لأسعارها هدفه أيضا تشجيع الصناعات القائمة التي تعتبر المستهلك الأكبر لهذه المنتجات والكهرباء.

وتأكد أن الدعم المالي الحكومي للأسعار والخدمات في معظم الدول النامية يسهم في تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وإلى جانب تلك المزايا، فإن دعم الأسعار قد يكون إنفاقا غير منتج ويثقل مالية الدولة.

وتتخوف الحكومات من وقف الدعم الأمر الذي قد يتسبب بردود فعل عنيفة من قبل الناس الأقل دخلا والذين يتضررون من وقف الدعم. كما أن هناك حالة تترتب على وقف الدعم، إذ ترتفع أسعار السلع والخدمات التي كانت تعرض في الأسواق بسعر غير حقيقي يقل بنسبة مبلغ الدعم فالتضخم يتربص بأي تَغَيُّرِ في الأسعار، فتأخذ معظم الأسعار طرقها إلى الصعود إنْ قفز سعر سلعة أساسية عالية الطلب.

وفي معظم الدول ذات الاقتصادات التي يوجد فيها هوة بين المستوى العام لتكاليف المعيشة وبين متوسط الدخل الفردي، تلجأ حكوماتها لدعم أسعار السلع والخدمات. كما أن أسواق السلع والخدمات التي اعتادت وتحقق استقرارها على مستوى اسعار معين، تضطرب أن فرضت عليها نظم سعرية قسرية أو أوقف دعم الأسعار. وتلجأ الحكومات لدعم أسعار عدد من السلع الأساسية كالدقيق والسكر والحليب والسكن والكهرباء والمحروقات. وقدر صندوق النقد الدولي نسبة الدعم للناتج المحلي لمعظم دول الشرق الأوسط بين 5% إلى 7%. وتتفاوت نسب الدعم المقدم حسب المنطقة، ففي الدول العربية يشكل الدعم حوالي نحو 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة تفوق بكثير المعدل الموجود في بقية الدول النامية والذي يبلغ نحو 1.3% فقط. وقد يكون هدف الدعم موجه لتنمية نشاط ما، ففي حالة الصناعة يكون هدف الدعم هو تنمية تلك الصناعة أو جعلها ذات تنافسية أعلى في الأسواق العالمية، ومن أشكال دعم الصناعات: خطط الإعفاء من الضرائب، منح تخفيضات على أسعار المواد الخام، تقديم محفزات مادية للمستهلك لشراء منتوجات الصناعة. وفي حالة دعم أسعار بعض السلع فيكون ذلك بتحمل الحكومة لجزء من أسعار استيراد أو إنتاج تلك السلع. مثال على ذلك دعم الحكومات للسلع الأساسية كالسكر والأرز والكهرباء والماء فيكون مقدار الدعم الحكومي في حالة دعم الماء والكهرباء مثلاً هو حاصل الفرق بين التكلفة الحقيقية لإنتاج وتوزيع المياه والكهرباء التي يستهلكها الفرد وبين المبلغ الفعلي الذي يدفعه الفرد مقابل ما يستخدمه. وتأكد أن معظم الدول النامية مضطرة إلى تقديم الدعم للسلع والخدمات على اعتبار أن اقتصادها لا يتمتع بالقوة الكافية لتوفير دخل يتناسب مع التكاليف المعيشية، وأن معظم مواطنيها من ذوي الدخول المحدودة المتدنية.